الفراسة هي التبصُّر، أو معرفة بواطن الأشياء وخفاياها بالنظر في ظاهرها بالسليقة دون تعلُّم أو دراسة أو قواعد. والفراسة كانت معروفة عند العرب قبل الإسلام، ولها مجالات عديدة؛ ومنها: معرفة أخلاق الناس وطباعهم من النظر في أشكالهم، أو تحرِّي مواضع الماء في الصحراء، أو اقتفاء الأثر للراجلين. ومنها أيضا ما هو مُحرَّم كالتنجيم (أي ادِّعاء معرفة الغيب بالنظر في النجوم). والفراسة أنواع ولها تعريفات واسعة لا مجال لذكرها كلها.
ولم يُذكر في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أن تعبير الرؤيا يحتاج إلى فراسة، ولكن ذُكرت الفراسة في حديث حسن ما روي عنه ﷺ: «إنَّ للهِ عبادًا يعرفون الناسَ بالتَّوَسُّمِ» [السلسلة الصحيحة]؛ أي يعرفون أخلاق الناس وصلاحهم وفسادهم من سيماهم؛ وفي ذلك يقول الله (تعالى): ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:29]. وهناك أيضًا الفراسة الإيمانية، وهي البصيرة التي يمِّز بها المؤمن الحق من الباطل، وقد روي في ذلك حديث ضعيف عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ: «اتَّقوا فِراسةَ المؤمنِ، فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللَّهِ»،ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:75]؛ وقد روي في ذلك أيضًا قوله ﷺ: «استفتِ نفسَك، وإن أفتاك المُفْتونَ» [صحيح الجامع].
ولا مانع من أن يتميز بعض الناس بموهبة واستعداد شخصي أو فراسة تجعلهم أقدر من غيرهم على تعبير الرؤيا، وكذلك فبعض المؤمنين الصالحين قد يكون لهم من الكرامات والتأييد الإلهي في تعبير الرؤيا ما يتميزون به عن غيرهم في هذا المجال. ومع ذلك، فلا يجب أن تعُدَّ هذه الأمور هي الأساس في تعبير الرؤيا، ولا أصل القاعدة التي يَستنِد إليها؛ ولكن للعلم قواعده وأصوله المنصوص عليها في القرآن الكريم والحديث الشريف، والمأخوذة بالتواتر من أكارم العلماء المسلمين الثقات؛ تلك القواعد التي تتنافس المواهب وتتباين في حُسن تطبيقها والعمل بها، وليس في الاستقلال عنها أو إنكار قيمتها.
والخلاصة أن لتعبير الرؤيا قواعد وله مواهب، وكلاهما يعمل معًا، ولا يجوز الفصل بينهما؛ أما الفراسة فقد تكون شكلًا من أشكال هذه المواهب الشخصية النافعة في تعبير الرؤيا، دون أن تكون وحدها كافية لأن تُخرِج لنا عالِمًا ثقة مُكتمل التكوين في مجال التعبير. والله أعلم.