تواطؤ الرؤى هو أن يرى مجموعة من المسلمين رؤى متشابهة في الشكل أو الظاهر، وأن يكون هذا الظاهر قابلًا للتحقق في الواقع فعلا. ومما يقوي هذا التواطؤ أن تكون الرؤى متقاربة في التوقيت كأن تُرى في فترات متقاربة، ومما يزيد التواطؤ تأكيدًا أن تكون هذه الجماعة التي رأت هذه الرؤى متقاربة أو مترابطة وليست جماعات بعيدة أو لا تربطها أية صلات. ومما يزيد أيضًا في دعم وتشديد جدوى التواطؤ في الرؤى أن يراها جماعة من المسلمين الصالحين المشهود لهم بالصلاح. ومن أشهر أمثلة تواطؤ الرؤى هو ما حدث في عهد النبي ﷺ من رؤيا جماعة من الصحابة من تحديد ليلة القدر في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، فقصوا ذلك على الرسول ﷺ، فأرشدهم بتحري هذه الليلة في السبع أو العشر الأواخر من رمضان أو كما روي عن عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) قال: «… أنَّ رِجَالًا مِن أصْحَابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنَامِ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرَى رُؤْيَاكُمْ قدْ تَوَاطَأَتْ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فمَن كانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ [وفي رواية: في العشر الأواخر]» [رواه البخاري].
أما عن قيمة التواطؤ بهذا الشكل فهو التبشير بحدوث أمر ما بشكل صريح ظاهر لا تأويل فيه والتأكيد على وقوعه حقًا، ولكن يشترط أن يكون ظاهر الرؤيا قابلًا للتحقق فعلًا، ومن المستحب في هذا الصدد كذلك أن تكون هناك أحداث أو مقدمات في الواقع يمكن أن تكون سببًا في تحقق ظاهر هذه الرؤى المتواطئة. فيتقوى ذلك المعنى وتكون البشرى بحدوثه أكبر إن شاء الله. فمثلًا إذا رأى مجموعة من الصالحين المتقاربين في وقت متقارب أن امرأة صالحة تتزوج من رجل صالح، فيمكن أن يكون هذا التواطؤ بشرى بزواجهما فعلًا، لكن يشترط أن تكون أسباب أو مقدمات هذا الزواج حاصلة فعلًا بدون عقبات أو موانع واقعية تمنعه.
ويضعف تأثير التواطؤ ويقل التأكيد على حصول ظاهر الرؤى المتواطئة كلما قلت شروطه، كأن تكون الرؤى أقل تشابهًا في الشكل، أو أن يكون من رأوها أقل عددًا أو أهون ترابطًا وأضعف صلة، أو أن تكون قد رؤيت على فترات متباعدة، أو أن يكون من رأوها أو بعضهم بعيدين عن الصلاح والتقوى.
وهناك نوع أضعف من التواطؤ للرؤى، وهو تواطؤ التعبير، ومعناه أن يرى جماعة رؤى مختلفة في الشكل، لكن تعبيرها متقارب، فتقوي هذه التعبيرات المتواطئة احتمال تحقق المعنى، كأن يرى جماعة من الصالحين رؤى مختلفة في شكلها ورموزها وأحداثها، لكن تعبيرها واحد. ومن أمثلة ذلك أن ترى جماعة متقاربة رؤى لأنواع مختلفة من الأطعمة، فتدل كلها على أرزاق عامة، أو أن يرى جماعة من الصالحين رؤى ذات أشكال مختلفة لكن تدل كلها على نصرة الدين وأهله.
ومن ضعيف التواطؤ أيضًا ما نُسميه تكامل ظاهر الرؤيا كأن يرى الرجل مثلًا أنه زرع أرضًا، فترى امرأته في رؤيا أخرى أنها تحصد المحصول من الأرض نفسها، أو كأن يرى المسافر أنه في المطار عائد من السفر، وترى أمه أنها في المطار تستقبله عند عودته. فهذه أنواع من تكامل ظاهر الرؤى عند أكثر من راءٍ، قد يدل أحيانًا على تقوية احتمال وقوع الرؤيا على ظاهر معناها إن كان ممكن التحقق في الواقع (كالرؤيا السابقة؛ فالمسافر يستطيع العودة والأم تستطيع استقباله في الواقع)، فإن لم يكن ممكنًا (كرؤيا الكلام مع الأموات مثلًا أو نحو) فقد يدل على تقارب التعبير لهذه الرؤى، وتقوية احتمال وقوعه إن شاء الله. والله أعلم.